تجديد الخطاب الديني بين الثوابت والمتغيرات بقلم: الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

من تصنيف : بأقلامهم

ثوابِتُنا على الكونِ منارُ...
وكم في غيرها جادَ الحوارُ
ففي التجديدِ إحياءٌ لفهمٍ...
يُبَصِّرُنا إذا زالَ النهارُ
وليسَ بمنكرٍ تغييرُ رأيٍ...
إذا رَجَحَت لذي لبٍّ خَيارُ
 
لكلِّ عصرٍ من العصور مكوناته الأربعة "الزمان والمكان والأشخاص والظرف الذي يجمعها"، وقد جاء الدين الحق ليرتقي بهذه المكوّنات إلى درجات الكمال لذلك فإن الخطاب الديني دئم التطوّر والتجدد بما يوافق كل عصر مُحققاً عبر ذلك التطوّر مصلحة الإنسان في زمانه تلك المصلحة المنضبطة بالمنظومة القيمية والأخلاقية التي دعا إليها ديننا الحنيف.
 
وإن دين الإسلام يعطي كل الدارسين مؤشراً واضحاً على عظمته لكونه يحوي في تعاليمه النَّهج والسلوك والآلية التي تجعلُ منه صالحاً لكل زمان ومكان، لأنه دين شامل متكامل يُرسّخُ ثوابت الفضيلة التي لا تتغيّر أبداً عند كل الشرائع السماوية، هذه الثوابت التي تشكّلُ السياج الأقوى للحفاظ على شخصية الإنسان كائناً من كان ذلك الإنسان، سواءٌ في ذلك المسلم وغيره؛ دين الإسلام يحافظ على الإنسانية جمعاء.
 
على أن مساحة الثوابت تعتبر صغيرة إذا ما قُورنت بالمتغيرات والظنيات التي تخضع لنظر العلماء المجتهدين، فيجتهدون في أحكامها مع مراعاة مقتضيات الواقع المعيش ومتغيراته التي تجعل نظر العالم المعاصر قد يختلف عن نظر من سبقوه، وبما يحقق مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة.
 
والثوابت فى الإسلام رغم صغر مساحتها إلا أنها واضحة وصريحة وضابطة، بخلاف المتغيرات التي تشغل حيِّزاً كبيراً، وهى وإن كانت صحيحة إلا أنها تتعدد فيها الأفهام والشروح، ونصوصها تحتمل ذلك وإن كان فيها الراجح والمرجوح بحسب نظر العلماء المجتهدين على اختلاف مناهجهم فى تناول النصوص.
 
والثوابت في شرعنا هي: ما ثبتت بدليل قطعي وكان فهمها على وجهٍ واحد لا يحتمل وجهاً أو معنى آخر، وهى تشمل أصول العقائد؛ وأصول العبادات كأركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان، وكذلك حرمة الزنا والربا وشرب الخمر، ويدخل فى الثوابت أيضًا منظومة القيم والأخلاق كالصدق والعدل والوفاء والإخلاص والأمانة وغير ذلك من الأخلاق التي لا يختلف عليها العقلاء.
 
وأما المتغيرات في شريعتنا فهي: كل ما لم يأت فيه دليل قاطع، بمعنى أنه يحتمل أكثر من معنًى ولو كان أحدهم أرجح من الباقي، فتظل المعاني كلها ظنية، وهو يشمل  الكثير من فروع العبادات، والمعاملات من حيث الإجراءات والكيفيات التي لم يأت فيها نصوص قطعية، وشأن هذه المتغيرات الواسعة ألَّا يُضَيَّق على الناس فيها، فالأصل فيها المرونة، وهى بهذا المعنى مظهر عظيم من مظاهر الرحمة فى شريعة الإسلام، ودلالة قاطعة أنه يصلح لكل زمان ومكان بتلك المرونة وهذه السَّعة .
 
لذلك نجد أن المشكلة الكبرى عند أصحاب الفكر المُنحرف الذين ساروا في جانب التزمت وصولاً إلى التبديع والتفسيق والتكفير قد وسَّعوا دائرة الثوابت بغير حق، حتى يضيق على الناس دينهم ودنياهم فيسهل عليهم تطبيق منهجهم في إخراج الناس عن المِلة وتكفيرهم ويستبيحوا دمائهم وأموالهم بغير حق.
 
وبالمقابل نشهدُ أُناس آخرين يحاولون توسيع دائرة المتغيرات حتى تشمل بعض الثوابت المُجْمَع عليها، ويرى كل شيء قابلًا للتغيير ولو كان فى الاعتقاد والمبادئ ومنظومة الأخلاق والقِيَم، مما يؤدي إلى اتساع دائرة الانفلات من أحكام الشريعة الثابتة التي تستندُ إلى نوص قطعية الدلالة وقطعية الثبوت، وهذا الأمر يفتحُ المجال لاستقطاب ذوي الانحرافات ليصبح المجتمع فريسةً سهلةً يفشو فيه الانفلات والشذوذ.
 
 إن عدم اعتبار الفرق بين الثوابت والمتغيرات أو عدم إدراك مساحة كلٍّ منهما فى الشرع، ينتج هذين الفريقين المتطرفين المتضادين. 
 
والحقُّ في منهج الشريعة الإسلامية الذي لا يمكن أن نرتاب فيه هو "الوسطيّة" التي تقف بين التشدد والانحلال.
 
إننا بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى بيان وتحديد ما هو قطعي الثبوت وما هو ظني الثبوت لنحافظ على مجتمعنا الآمن الذي يحيى وسطية الإسلام عبر تاريخه الحضاري الطويل، مع العيش المشتركة بين سائر أطيافه ومكوناته.
 
لقد تركَ لنا العلماء المتقدمون عبر القرون تراثاً فقهياً معرفياً رائع؛ فكانوا يضيفون في كلِّ مرة عليه ما يستجد في عصورهم وبشكلٍ تراكميٍّ بناء؛ هذا التراث العظيم ينبغي أن يكون مُحترماً يُستأنسُ به ويُنظر إليه على أنه عُصارة خبراتهم، ولكنه ليس مُقدّساً ككلام الله تعالى وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
 
بعبارةٍ أخرى نقول: أنه يتوجّبُ علينا أن نستفيد من مناهج السلف الصالح، لأنها مبنية على قواعد اللغة والعقل وقواعد تفسير النصوص، ولكن في نفس الوقت لا نلتزم بمسائلهم التي ارتبطت بسياق واقعهم في زمنهم، فنُحاول تطبيقها على واقعنا لأنهُ وكما تقول القاعدة الأصولية: "لا يُنكر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان" 
على أننا ينبغي أن نكون في مُطالعة هذا التراث المعرفي الهائل مُتنبهين على كلِّ رأيٍ دخيلٍ أو مدسوس مع كامل التقدير لهذا الجهد العظيم القادم من تلك العقول النيّرة والبصائر الهادية المهدية.
 


وكالة الأخبار السورية
أسامة مرشحة
تاريخ النشر : 2017-10-20 03:03:33