العملُ المؤسَّساتيّ المنظوميّ ما بين التنظيم و الفوضى ما بين القرار و عدم القرار بقلم : ياسين الرزوق زيوس

من تصنيف : بأقلامهم

ما زال العمل المؤسَّساتيُّ مجهول الهوية و مختلط الأنساب و مضيِّع المعاني, و أنا كمواطنٍ ربَّما ألفْتُ الانتماء الأعمى و ربَّما ما زلت آلفُ الانتماء القائم على التضحية في سبيل الكلِّ من دون انتظار اقتطاع الأجر, و من دون البحث في جينات الدين, وأ ياسين الزروق ها أنا اليوم بعد عيد السيِّدة كتبتُ على جبيني أنَّني بإنجيل لوقا و متَّى و مرقس سأكسر جرَّة اللاهوت كي لا أشرب إلا من دمع إنسانيتنا التي ما زالت تبكي و تبكي و لن أنتظر عيد الأضحى لأذبح كبش الانغلاق و لأسفح دم من يحاربون التمدن لا بدم الحسين و لا بإفك عائشة بل بصرحٍ مؤسساتيٍّ اسمه العقل الذي يميِّز الخير عن الشر و الخبيث عن الطيِّب و الصواب عن الخطأ و من لا يرفع صروح المؤسَّسات بالمعنى المفاهيميّ و بالمعنى الاصطلاحيّ و بالمعنى الانبثاقيّ و بالمعنى التنويريّ و بالمعنى الإصلاحيّ و بالمعنى الحداثويّ لن يقدر على رفع صرح الوطن المؤسسة التي تجمع العقول على بنيانها المرصوص و إلا فالتفكُّك الجغرافيّ سيلحق التفكُّك المجتمعيّ و هذا ما لن نجعل أحداً يراهن عليه مهما فتكت بنا الأزمات و مهما سالت دماء الشهداء مدرارةً تغسلُ تشوهاتنا و تعيد إلى نفوسنا و بلداننا الطهر و النقاء المنشود في بلدٍ تحاصره كلُّ عوامل انهيار المؤسَّسات, لكنَّه أبى إلَّا أن يبقى كي يكون أنموذج تكوين حداثويّ في القرن الحادي و العشرين!...
 
العملُ المؤسَّساتيّ يفتقد التنبُّؤ و لم يحظَ بالمتنبِّئين لأنَّ العمل الذي لا يتنبَّأ بمستقبلٍ ذي خطى لن يقدر على رفع أهبة التغيُّرات المنهجية في عالم التطوير و التحديث و لأنَّ التطوير الذي لا يقدُّ قميص العالم القادم من قُبُلٍ و من دُبُرٍ لن يقدر على الخروج من تصوُّراته الواهمة بأنَّ جودة العالم في التعاطي المؤسَّساتيّ برنامج طهرٍ لا يخرجنا من صولة الزنا المحارب عقائدياً إلا ليدخلنا في جولاتٍ لا تحصى من الفعل المؤدلج بشكلٍ مشوَّهٍ مؤسَّساتياً قاتلٍ كلَّ معاني الإنسان منطلقٍ من تعاريف غزت بحرنا المؤسَّساتي بأنهارٍ ملوَّثة ترفده لا لتمرَّ مرور الكرام بل لتجعل من قوانين أحوالنا الشخصية برامج سلبٍ للعقل تدَّرجت بالفقه الدينيّ الذي لعلَّ آخر تصوراته المؤسساتية فقهُ الأزمة الذي لم نخرج على إثره و لن نخرج من أزماتنا لأنَّه رسَّخ أزماتٍ من التعاطي القاتم الأسود الذي لا بصيص نورٍ فيه ما لم يفتح المفكِّرون آفاق المستقبل و لو بطاقات دمائهم التي ستغلبُ كلَّ سيفٍ يقطع رأس الوعي المؤسساتيّ و هو يضرب باسم السلطة كي يشوهها و ينقلها من بنيانها المؤسساتي إلى قطاعه الميليشيويّ المتجذِّر كي يرسِّخ ثقافة الخوف و يؤسِّس أكثر و أكثر لثقافة النفاق الذي يقهر مؤسساتنا الروحية و النفسية و الجسدية و كلُّنا نعرف البعد اللاهوتي العقائديّ وراء هذه المصطلحات و الذي يجب استثماره إنسانياً و يجب إشغال صرح مؤسسة العقل بها كي لا تنهار على رؤوسنا "و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربِّي و ما أو تيتم من العلم إلا قليلا" (سورة الإسراء), "و يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربِّك راضيةً مرضية" (سورة الفجر), "كلُّ نفسٍ ذائقة الموت و إنَّما توفون أجوركم يوم القيامة" (آل عمران), "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنَّه من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنَّما قتل الناس جميعا" (المائدة), "ثمَّ توفى كلُّ نفسٍ ما كسبت و هم لا يظلمون" (البقرة), "و إنَّ لجسدك عليك حقا و لربك عليك حقا و لأهلك عليك حقا فتزوج و صم و أفطر و قم و نم", "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرَّاً من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه و ثلث لشرابه و ثلث لنفسه".
 
كما ورد في سفر الحكمة "الجسد الفاسد يثقل النفس", و نحن نقول الروح الشريرة و النفس السيئة تثقل الجسد و تثقل الأوطان وربما تكون سبباً رئيسياً في تداعيها و انهيارها فكم من الأمم انقرضت عن بكرة أبيها مادياً رغم ما خلفته من آثار معنوية سواء باتجاه الخير أم باتجاه الشر باتجاه الحضارة أم باتجاه الغوغائية و اللا مدنية.
 
و كما ورد في إنجيلي متَّى و لوقا "سراج الجسد هو العين فإن كانت عينك بسيطة, فجسدك كلُّه يكون نيِّراً و إن كانت عينك شرِّيرة فجسدك كلُّه يكون مظلماً و إن كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام كم يكون؟!
 
و كما ورد فيهما أيضاً "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون و بما تشربون و لا لأجسادكم بما تلبسون أليست الحياة أفضل من الطعام و الجسد أفضل من اللباس؟!
 
و كما ورد في إنجيل يوحنا "المولود من الجسد جسدٌ هو و المولود من الروح هو روح"
 
أعزائي لا أريد أن أثقلكم بالعقائد اللاهوتية و لكنَّنا نعيش وسط مجتمعاتٍ اخترقها اللاهوت و صار بنيانها المؤسساتي يبنى بلبنات اللاهوت لبنة لبنة بغضِّ النظر عن انهيار الفكر الإنسانيّ و تشظيه و بغضِّ النظر عن اكتمال العقد المفاهيميّ للرؤى المنظومية التي تنطلق من الذات الفردية و الأسروية و التربوية  درجة درجة أفقياً و عموديا حتى تصل إلى الذوات المجتمعية و الذوات الإدارية و القيادية التي إذا ما فهمت لعبة الحداثة و أيقنت أنَّ مصلحتها الوطنية فوق كلِّ مصالحها الفردية نزعت أناها و انطلقت كي تخلع أنَّات الأوطان ببسمة التغيير الوطنيِّ المنشود المنبثق من التلاقي الإنسانيِّ على محاور لا بدَّ من إدراجها في كلِّ لعبةٍ أممية لم تدرك الحقيقة إلى كلِّ لعبةٍ داخلية بدأت تصرُّ على حقيقة التغيير بإدراكها مشروع الحقيقة مشروع القرار في وجه اللا قرار مشروع التنظيم في وجه الفوضى بأشكالها العشوائية و المنظمة و كلها تصب في المنحى غير الخلاق لا إنسانياً و لا مؤسساتياً المشروع الوطني للإصلاح الإداري الذي لا لبس فيه و الذي بوصلته الوطن و المواطن و المواطنة هذه الثلاثية الموافقة لثلاثية جيش و شعب و قائد و في ظلِّ هذه الثلاثيات ليس علينا إلا أن ندرك مأسسة التغيير بما يواكب حقيقة المتغيرات الضاربة في دنياه قبل آخرته و في مبتداه قبل منتهاه.
 
عندما نطلق مصطلح المنظومي ننطلقُ من نظميَّة أفكارنا إلى تسلسلية مناهجنا إلى تدرجيَّة تعاطينا أو لربَّما تعاطينا بشكلٍ لا منطقيٍّ و لا منهجيٍّ كلُّ هذا ينطلق من عمق مداركنا و مدركاتنا و من إيماننا الفعليّ بالتماهي المدروس المنطلق بفضاء الإدارة لا المنغلق بفردانية المدراء و المسؤولين ذوي المناصب و مزاجيتهم ما بين القول و التطبيق و ما بين الرئيس و المرؤوس و ما بين الإنسان و الآلة و ما بين الفاعل و المفعول به و هنا يحقُّ لنا التعرُّض بشكلٍ حقيقيٍّ لمنظوماتنا الفكرية و الثقافية و العقائدية و المهنية و الاجتماعية و الاقتصادية التي ما زالت أسيرة الظواهر المصنوعة كي نغتال بها القرار و كي ندفنه في قبور من تناسوا دفَّة الحياة بل و أداروها عكس اتجاه الإنسان كي يموت بعيداً عن أشبار إنسانيته التي تتلاشى بديدان الأرض و لم تدرك روحها السماء بكلِّ برزخٍ أسَّسته السلطة على مقاس الكرسيِّ القائم مؤقَّتاً و المسخَّر مقدِّماً الشخص على المؤسسة و الطائفة على الشعب و المنطقة على الوطن و الناحية و الحي على المحافظة لا على مقاس الكرسيِّ الراسخ بحجم الفعل الإنقاذي بدايةً وصولاً إلى ترسيخ الفعل المؤسساتي حقيقة و تطبيقاً لا بحجم السلب و النهب و تجيير القوانين و تحوير الأنظمة و تدوير الأمكنة و المناصب بما يناسب الجيوب و بما يعلي راية الفساد و يجعلها خفَّاقةً في أروقة الزمان و المكان!....
 
و إذا ما صرَّحنا و شرحنا في كثيرٍ من المقالات سواء في الصحف المحلية أم العربية أنَّ الرئيس الأسد يبشِّرُ بالتغيير فنحن لا ننطلق من المزايدة و نتبع قاعدة الكسب غير المشروع أو اللهاث وراء المكاسب الفانية في حضن الكثير من السلطات الموبوءة التي أنا أكثر ما أعاني منها و خاصة على الصعيد الفكريِّ و الثقافيِّ و حتَّى المؤسساتيِّ و هنا ال أنا لا تنطلق من الأنا الفئوية بل من الأنا المواطناتية التي تعني كلَّ مواطنٍ شريف رفع سيف الوطن و لم يعده إلى غمد المصالح غير المشروعة التي تجتثُّ الوطن بعد أن تبتلع المواطن بأكذوبة المواطنة التي أفقدوها معانيها و فصلُّوها كما الوطنية و الخيانة على مقاساتهم غير الناجعة مؤسساتيا و غير المجدية اختصاصياً و مهنياً و شعبوياً بل كما قلنا مع الرئيس الأسد ننطلق من منبع الإخلاص و التفاني في المحاولة المخلصة لبناء مؤسسات مجدية سياسياً قضائياً و تشريعياً و تنفيذياً و إعلامياً و هو الذي أتبع القول بالفعل و تخطَّى التنظير إلى فضاء الحقيقة فكم نراه بين الناس و كم نراه بأبسط حلةٍ و أعظمها حلة التواضع يزور الجرحى و لا يغرق الشعب بمواكب التكبر و العنجهية و هو من يريد من الجميع أن يتجاوزوا سفاسف الأمور كما و يريد لأواصر المؤسسات أن تكون وفق القواعد القانونية لا وفق التجاوز و الالتفاف المدروس في سبيل هدِّها و قتل الوطن و مواطنيه خنقاً تحت ركامها!...
 
أو ليس الرئيس بشار الأسد هو الذي قال: "إنَّ تطلعاتنا لا يمكن أن تتحقَّق بالشكل المطلوب إلا إذا تمَّ التأكيد على دور المؤسَّسات في حياتنا و العمل المؤسَّساتيّ عملٌ جماعيٌّ لا فرديّ و المؤسسات في مفهومها العام ليست البناء و النظام الذي يحكمها فقط أو الأشخاص الذين يعملون فيها بل هي و قبل كلِّ شيءٍ الفكرُ المؤسِّساتيّ الذي يؤمن أنَّ كلَّ مؤسَّسةٍ تمثِّلُ الوطن مهما كان حجمها و اختصاصها و تمثِّلُ سمعته و وجهه الحضاريّ!...
 
العملُ المؤسَّساتيّ بات يصطدم بالقاصي و الداني لأنَّه يتحرَّكُ دون عصاه بعد أن أضحى ضريراً نتيجة توهج الخدع أمام مرآه دونما أدنى ردَّة فعلٍ تقيه إبعادها عن اجتياح عيونه بكذبة التغيير و هنا العصا لا ليهشَّ بها على قطعان الشعوب التي تسقط في منطقتنا بنخبها قبل عامتها و بمتعلميها قبل أمييها و بمفكريها قبل مثقفيها و بساكنيها قبل عابريها حتَّى لم تعدْ قادراً على تمييز كاف المخاطب عن ميم الجمع في زمنٍ تحرَّكت فيه جحافل الناس و أنت لا تدري أتخاطب وعيهم الجمعيّ و جهل واحدهم الفرديّ أم تخاطب جهلهم الجمعيّ و وعي واحدهم الفرديّ؟! بل لتدلَّ العميان من الأصحاء الضريرين بانجرافهم وراء السراب الحقيقي الذي يكسبهم امتلاء جيوبهم التي باتت وطنهم و هم يسلمون الوطن الحقيقيّ قرباناً لمن يدفع أكثر في مزادات التغيير المنشود الذي سُرق و حرفت بوصلته كما يشاء العابثون به و نتمنى هنا أن لا يلتفوا على الإصلاح الإداري باسم المشروع الوطني للإصلاح الإداري الذي طرحه السيد الدكتور بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية و الذي بدأت قبله وزارة التنمية الإدارية و بقيت كالبطة العرجاء و باتت مع الوزيرة سلام سفَّاف كما نرى على الأقل كالطاووس دونما ريش و بتركهم لحقيقة الوطن الذي يقترب من السراب بفقدان مواطنيه المخلصين الحقيقيين و بتغليب الذين أعمتهم المادة عن الضمير و الفوضى المستشرية بانتظام عن النظام المنظومي النظمي المتضائل بشكلٍ فوضويٍّ و هو يتحسَّسهم بمجسته هذه دون غيرها لأنَّها عقرت وجدانه الذي أقعدوه غصباً على خوازيق التغيير المنادى به بعد تفريغه من معانيه المنشودة في سبيل تدمير الحداثة باسم الحداثة و الاختصاص باسم الاختصاص و ما زال الوطن يقفز كالضفدع و المسؤول السلطوي اللصوصيّ هو مستنقعه و سكناه!...
 
إذا كان السيِّد رئيس مجلس الوزراء في سورية و رفقته الوزراء الأشاوس و كلُّ الأدوات الحكومية مهما علا ثمنها أو كان بخساً   يؤمنون بمقولة هيدجر "الإنسان يوجد ثمَّ يريد أن يكون و يكون ما يريد أن يكونه بعد القفزة التي يقفزها إلى الوجود و الإنسان ليس سوى ما صنعه هو بنفسه!" فنحن نطرح عليهم الأسئلة التالية " هل وجدوا في مناصبهم قبل أن يكونوا و هل يريدون أن يكونوا ليكونوا ما يريدون أن يكونوه لكن ليس بعد قفزتهم إلى الوجود بل بعد قفزتهم إلى السلطة و ربَّما السلطة هي وجودهم الذي يسمون به بامتيازات اللا سموّ و هل هم صنيعة أنفسهم أم هم كاراكوزات بيد الشيطان الأكبر و الخالق الأصغر؟!....
 
إذا ما كانت حكومتنا الوجودية التي آمنت بالألمانيّ هيدجر قد كرهت عجز الحداثة و راحت بكلِّ ما أوتيت من عجز مؤسساتي أو تعجيز مؤسساتي تنطلق إلى ما بعد الحداثة فهل ستعشق الانغماس في العمل المؤسساتيّ الحقيقي أمام منظمة الشفافية الوطنية أو حتَّى العالمية الدولية و بأدوات حقيقية تنطلق من مجالس صامتة لمكافحة الفساد "و ذكرنا ذلك في مقال سابق" لا من بؤر استعراض رخيصة و آسنة تغرق المؤسسات بعدم الشفافية بل لعلَّها باتت تعوِّم الفساد كحالة صحية لا بديل عنها و على المكشوف و كأنَّه طوق النجاة للمؤسسات لا ثقب مركبها الذي يتسع ليغرق الجميع و ليسرق الوطن من مواطنته و المواطنة من وطنها أم أنَّها تلعب بأسلوب الشائعة الوجودية كي تخدِّر الوجود الوطنيّ أو ربَّما تدخله في غيبوبة طويلة الأمد بحقن التنمية التي تسمُّ الجميع و تجعل عقولهم معطَّلة بعد أن دخلت مواطنتهم في سبات لا استفاقة منه كما يبدو بعد موت الإنسانية السريريّ و دفن الوجدان و الضمير؟!
 
أدعو السادة الوزراء و أخصّ السيِّد وزير النفط رضي الله عنه و لن يرضى العمَّالُ عنه أن يكرروا في الشركة العامة لمصفاة حمص أفكار هيدجر الوجودية و ثورته على الحداثة بما بعدها كي ينتجوا قطفات تنموية حقيقية علَّ الحوافز الحياتية الوجودية تعود لمهندسيها و كادرها العماليّ أسوةً برفقتهم في جاراتها الوجوديات أمثال الشركة السورية لنقل النفط و الشركة العامة لمصفاة بانياس فثمن وجود عمالهما يزيد 20000   ليرة سورية شهرياً عن ثمن وجود عمالها و كما يبدو أنَّ المعادلة الوجودية للوزارات و للحكومة سقطت مذ بدأت في تسعير و انتقاص الإنسان أثناء مشوارها الملغوم بكل أشكال الفساد إلى ما بعد الحداثة التي لم تدركها بعد و لا يبدو أنَّها ستدركها في أكذوبة التنمية الشاملة مهما صدقت و ما على الرسول إلا البلاغ و ما على الوالي إلا الجباية و ما على الكاتب و الشاعر إلا الجوع و السلام على من وجدوا ليكونوا مواطنين أحياء شرفاء مهما دفنوا بفقرهم أعزاء!
 
الفنُ المفاهيميِّ درج ليعبِّر عن الأفكار و المفاهيم قبل القيم المادية و الجمالية التقليدية و لعلَّ مؤسِّسه الأميركي جوزيف كوست لم يكن غارقاً بتصورات الفقر و افتقاد القيم الروحية الجمالية بل كان من مؤسسيه بصنع الشيء قبل قيمته الروحية و بصنع الجسد قبل الروح الجميلة و بصنع المؤسسة كتكوين قبل بنيتها الناظمة الصحيحة و ذلك عام 1965 في لوحته "كرسي و ثلاثة كراسي " و اللوحة كانت تمثلِّ الكرسي نفسه و صورته و معلومات عنه مكتوبة على بطاقة كبيرة ملصقة على الجدار في ثلاث حالات بصرية و هنا لن نقول ما قاله الأميركي ذو الأصل الفرنسي مارسيل دوشان "كلُّ شيءٍ جميل حتَّى برميل القمامة" من أجل تبرير اللجوء إلى المواد الجاهزة و كما قلنا سنسقط الفنَّ المفاهيميِّ مؤسساتياً فنَّ الشيء الذي سنحوِّلُ أشياءه الفكرية إلى مفاهيم جمالية تسهم في تكويننا الحقيقي البنيوي.
 
و ها نحنُ نرى التضحية شيئاً جمالياً و هي تجسِّدُ ثقافة العطاء و البذل قبل الأخذ ثقافة الترفع على كلِّ الماديات القذرة التي تحتلُّ الروح في انغماس الشيء بنقيضه و خاصة أنَّنا في المنطقة العربية لم نحسن المطابقة ما بين الوعي و اللا وعي مما يجعل صورنا و لوحاتنا للأسف مشوهة دوماً أمام الخارج و من سيعيدها جنديٌّ أهدى التراب حقيقة وجوده كي يزهر بالدم بقاء الأمم لا اندثارها و بناء المؤسسات لا هدمها
 
ولا بدَّ من أن نتعرف على المفاهيم بشكلها المتداول عالمياً و اصطلاحياً و خاصة أنَّ المفهوم للتعبير بكل الأشكل بينما الاصطلاح هو للتعبير اللغويِّ البحت مصطلح المؤسَّسة "institution" مفهوم حديث نسبياً يراد به الجماعة الإنسانية التي يسود بين أفرادها قدرٌ كبيرٌ من التضافر و التعاون لتحقيق غايات واضحة و أهداف مشتركة متَّفقٍ عليها بين الأعضاء المكونين لها و هنا لا بدَّ أن نقول خيراً أو شرَّاً خطأً أم صواباً فللفساد مؤسساته المغلقة داخل المؤسسات المتداولة تقليدياً ألا و هي مؤسسات القطاع العام و الخاص و المشترك و غالباً ما تكون المعايير الضابطة للمهام و الأدوار المنوطة بالأعضاء موضوعية تماماً لا تختلف باختلاف الأشخاص الذين يقومون بهذه المهام مهما اختلفوا بمهاراتهم و قدراتهم على أداء هذه المهام!...
 
تتحرَّك جحافلُ العمالة لتسبق عُمَّالاً و لتطأهم قبل أن تستأصلَ العملاء من تاريخهم المحموم بالطبابة الحمقاء فمن يطبِّبُ عاملاً ليكون عميلاً لا يستحقُّ أن يكون إلا تابعاً للخارج بأجنداتٍ مسمومة من غياهب الفساد أو غرفه المضيئة كما يبدو للعلن فازدهار الفساد هو الحالة المثلى للمتاجرين بالوطن و عمَّاله الذين لم يعرفوا البروليتاريا كمصطلحٍ تنويريٍّ بل كجوعٍ مطبقٍ خانقٍ معتمٍ تتلاشى فيه الحقوق مهما كانت الواجبات جسيمة و ذلك حين تبسط الحقوق ذراعيها أو تجبر على المثول أمام سارقيها حيث تنعدم الواجبات و حيث يموت الإحساس الحقيقي بالمسؤوليَّة في بلدٍ ما زالت تتحرَّكُ بتسارعٍ نحو أبجدية النصر الأولى من نوعها في العالم بقيادة مايسترو الانتصارات المدوِّية و حجر الأساس في صياغة خرائط النظام العالمي الجديد الدكتور بشَّار حافظ الأسد الطبيب الذي ما زال يخرج الوطن من مفاهيم المزايدة إلى مفاهيم البعد المطلق و الآفاق المؤسساتية وإلى المنحى الذي لا يتضاءل بأبناء الوطن بل يغدو فسيحاً حيث لا صوت يعلو فوق صوت المواطنة و إن اجتثت من حناجر الصارخين بها و لو كذبوا فلا شيء أروع من أن تستثمر كذبة الإنسان لتغدو حقيقةً كبرى تراها و لو بعيونٍ ضريرة فالمهم أن تراها و عندما تدخل مستوصفات الحياة و ترى من يسمسرون باسمها على صحَّة الأحياء الأموات الأصحاء الذين باتوا جياعاً لفرق الداخل و الخارج من وصفات السموم كي يجبروا كسور رواتبهم العاجزة عن جبر متطلبات حياتهم الكسيحة تتساءل كيف بمن تكتب له وصفةٌ بجنة عرضها السماوات و الأرض يرضى أن لا ينال منها إلا خازوق نارٍ و فسادٍ في آخرته إن آمن بها قبل دنياه و ترى أنَّ الوصفات التي تكتب بأرقامٍ و حسناتٍ كثيرة لا ينال منها العامل إلا النصف و هذا ذنبه لأنَّه فاسد يتاجر بحسناته قبل سيئاته فيشجع على النهاية الجهنَّميَّة لمؤسَّسات القطاع العام الذي ما زال يعاني من سرطاناته في بلدٍ اشتراكيٍّ غزته الأخابيط أو الأخطبوطات الفاسدة الرأسمالية كي تحرِّض من يؤمنون به على الكفر به لتخلو الساحة لها و تكمل بأذرعها هدم ما تبقى من معاني الاشتراكية و من صيغ المؤسساتية المحمودة!.....
 
و كما نستخلص أنَّ المعنى المفهوميّ المنظوميّ الإسقاطي للمؤسسة سبق المعنى الاصطلاحي اللغوي فالإنسان هو المؤسسة الأولى المنظمة مهما حاولوا إغراقها بالفوضى التي تجعلنا نتساءل هل ما زلنا أمة الجسد الواحد و العقل الجامع؟!
 
و كانت رؤية المفكر الفرنسي موريس هوريو تسبق المقاييس التكوينية الهرمية للمؤسسة بشكلها الحالي بتعريفها على أنَّها فكرة عمل أو مشروع يتحقَّق و يدوم قانونياً في وسط اجتماعي و لذلك لا بدَّ من وجود سلطة لديها أجهزة تمكنها من عملية الضبط و التنفيذ و لا بدَّ من التفاعل و الانسجام وفق ذلك.
 
مارتن باج الكاتب الفرنسيّ صاحب رواية "كيف أصبحتُ غبيَّاً" قال: "أعتقد أنَّ كون المرء ذكيَّاً أسوأ من أن يكون أحمقاً لأنَّ الشخص الأحمق لا يفهم في حين أنَّ الشخص الذكيّ _و إن كان متواضعاً و وضيعاً _ مرغمٌ على ذلك".
 
لم تسعفني حالة الحمق المستشرية في مجتمعاتنا بكثرة و لم تمهلني أن أكون غبيَّاً بل جعلتني شهوانيَّاً أضرب طول المهنة بعرضها لأجبر كسورها المتتالية بعد طول ضربٍ و تقسيمٍ غير مجديين حتَّى لقَّحتُ مجوني بنطفة نشوتي و أنجبت صلواتي فرائض الإلحاد كي يدرك المؤمنون ثغرات النفاق في تفاسير الأزمنة و في إسقاطات الأمكنة حيث لا عقارب للساعة تلحق ثواني التغيير و لا دوران يلحق بطء هذا التغيير فهل من متضاداتٍ بعد كلِّ هذا التضاد يا مجتمع اللصوص الأذكياء؟!...
 
عاد مارتن باج يتساءل بعد أن أغرقت ولادته بولادتي و هو يقول "لنقل أنَّني مسكين بلا مستقبل لا سيَّما و أنَّني أفكِّرُ كثيراً لا يسعني الامتناع عن التحليل و محاولة فهم كيفية سير كلِّ هذا البازار و استمراره... إنَّه أمر يحزنني جدَّاً أن أرى أنَّنا لسنا أحراراً, و أنَّ كلَّ فكرٍ و كلَّ فعلٍ يتمُّ لقاء جرحٍ لا يندمل!...
 
كم هو محقٌّ هذا المارتن باج و هو يغرقنا بقاعدة "فداوها بالتي كانت هي الداء" و كأنه يقول أن لا دواء للفساد إلا الفساد و لا دواء للغباء و الذكاء معاً إلا الغباء و لكن هل من دواءٍ للمرض النسويّ الذي يصيب رجولتنا بالعجز في زمنٍ تلاشى فيه الرجال و لم تقدر النسوة على خلقهم بعد؟!
 
التفكير المنظومي "systems thinking" هو التفكير المنظم غير الفوضوي الذي يجسِّد الرؤى التسلسلية بتحليل منهجي على المدى البعيد و بمراعاة الآثار الجانبية و العوامل المحيطة مما يجعله ناجعاً و مثال ذلك طريقة استخدام المبيدات الحشرية التي في ظاهرها تدل أنَّه بزيادة المبيدات تقل الحشرات و لكن مع تقدم السنين نرى العكس نتيجة لعدم الحسابات الملمة بالحالة و طريقة تغير الطقس و الظروف و طريقة ارتداد المناعة للمحصول و بدلاً من ذلك لا بدَّ من تطبيق نظام الإدارة المتكاملة لمكافحة الآفات الزراعية" و هو أساس الخطط الاستراتيجية.
 
بينما التفكير الإبداعيّ "creative thinking" هو عملية عقلية مدفوعة بالرغبة القوية تهدف إلى إيجاد حلول سريعة و إبداعية للمشكلات التي تواجهنا في الحياة و هو تفكير يحتاج إلى قرار سريع غير متسرِّع و الخوف من اتخاذ القرار يفقده ماهيته و معناه و التفكير الإبداعي شموليّ ينطلق من المعطيات الفكرية الصاخبة في عقل لا يهدأ و لا يتوقف عن التحليل و التفكير و لا بدَّ لصاحبه من الطلاقة و المرونة و الحساسية و الجرأة و عدم النفاق و المسايرة غير المبررة و عليه تبنى الحلول السريعة.
 
بعدَ كلِّ هذا سأفيض عليكم بمحبة كي تدركوا أنَّ أهدافنا معاً كإدارة بكامل تسلسلها الهرميّ و كموظفين و عمال أن نقول أنَّ كلَّ أنماط التفكير يحكمها القانون الذي تحركه روح الإنسان و هل بعد الإنسان من غاية و منطلق تبنى عليه الأبجديات القادمة للتغيير؟!


وكالة الأخبار السورية
ياسين الرزوق زيوس
تاريخ النشر : 2017-08-17 01:57:47