هامبورغ : قمة التحولات الواقعية..؟!

من تصنيف : بأقلامهم

انتهت قمة دول العشرين في مدينة هامبورغ الألمانية؛ لم تحقق القمة الكثير من الإنجازات بسبب المواقف المتباعدة نتيجة المصالح المختلفة والمتناقضة للدول المشاركة؛ أهم ما أظهرته القمة، ربما، كان الخلاف الأوروبي ـ الأمريكي حول بعض القضايا مثل اتفاق المناخ والتجارة الحرّة؛ مقابل تقارب أوروبي مع كل من الصين واليابان وحتى روسيا؛ وما يتجاوز أهمية قمة هامبورغ، ربما، هي قمة الرئيسين الروسي والأمريكي، بوتين وترامب. ولعلّ أهم ما نتج عن هذه القمة الثنائية، كان اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب سورية وأنّ الشرطة العسكرية الروسية ستعمل على حماية الأمن حول مناطق تخفيف التصعيد في الفترة الأولى بتنسيق مع الولايات المتحدة والأردن. وحتى لا نذهب كثيراً في التفاؤل بالتحوّل الأمريكي أو التعويل عليه، فقد أكد الرئيس بوتين أنّ الموقف الأمريكي تجاه سورية لم يتغير لكنه أصبح أكثر براغماتية.
 
      الولايات المتحدة ليست في أحسن أحوالها وفق الكثير من التصريحات والمؤشرات؛ قبل قمة العشرين الأخيرة وخلالها وبعدها، بدا واضحاً أنّ الولايات المتحدة لم تعد قائدة العالم ولا هي من توجّه سياساته؛ بل بدت في قمة هامبورغ شبه معزولة وغير قادرة على جمع حلفائها كما في السابق؛ بل إن أهم الضربات التي تلقتها، ربما أتت من الحلفاء. في المقابل، بدت روسيا والصين حاضرتان بقوة في القمة، فيما أوروبا منقسمة ضعيفة، لاسيما بعد الانشقاق البريطاني عنها.
 
      ليس قليلاً أن يؤكد المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي أنّ الولايات المتحدة تسير نحو الهاوية، بسبب الليبرالية ونظام السوق الجديد، وأن يؤكد الكاتب الأمريكي ويليام إنغدال، أنّ إيران رفضت فعلاً استخدام الدولار في قطاع النفط، وأنّ وروسيا باعت غازها للصين بالروبل أو الين، وأنّ هذا التحول الكبير لمصلحة التبادل التجاري العالمي بالعملية الصينية أو الروبل الروسي أو غيرها من العملات غير الدولار، سيكون بمثابة الأيام الأخيرة لقوة أمريكا العظمى؛ وليس قليلاً أيضاً أن يؤكد "بنك أوف أمريكا" أنّ عصر هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي سينتهي عاجلا أم آجلا، حيث تتراجع حصة الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي وتتقلص بشكل طبيعي.
 
      لقد بدا في قمة هامبورغ، وكأن هناك نوع من التمرد الدولي ضد الولايات المتحدة التي تراجعَ نفوذها ولم تعد قادرة على فرض أجندتها أو حتى الحصول على بعض الدعم؛ أظهر قادة الاقتصادات العالمية الكبرى جبهة معارِضة شبه موحّدة ضد واشنطن في مسائل تتعلّق بالمناخ والتجارة الحرّة؛ الغرب لم يعد جبهة موحدة تحت قيادة أمريكا؛ أوروبا تتجه للبحث عن مصالحها الخاصة مع الصين واليابان وروسيا وغيرها؛ قبل القمة الألمانية، أطلقت كوريا الشمالية صاروخاً أصاب برسالته بعض قادة القمة؛ طالب الرئيس الأمريكي الصين وروسيا بوقف هذا "الهراء"؛ هل حقاً؟! لماذا لا يوقفه هو؟! ببساطة، لأنه لا يستطيع. ولذلك لا بد من الاستعانة بالصينيين والروس لمواجهة هذه المشكلة، وبالآخرين لمواجهة مشاكل أخرى أقلّ أو أكثر تعقيداً.
 
     إعلان واشنطن أنّ لقاء ــ بوتين ترامب أسّس للتعاون في حل القضايا الدولية المستعصية لم يأتِ من موقع قوة، ولا من وخزة ضمير، بل من إحساس أمريكي "بحدود" القوة والعجز عن التصرف بحريّة على الساحة الدولية ودون محاسبة، كما في السابق. ولعلنا تنذكر إعلان الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب عندما أعلن عام 1991 النظام العالمي الجديد (The New World Order) وكان ذلك إيذاناً ببدء الأحادية القطبية الأمريكية، التي تلفظ أنفاسها في هذه الحقبة؛ أمريكا لم تعد "وحدة" (Unite) تقود العلاقات الدولية؛ أمريكا أصبحت وحدة من وحدات العلاقات الدولية؛ ما يجري تطويره في العالم اليوم هو نمط جديد من العلاقات الدولية، يقود إلى تغيير الموازين وانتهاء التحالفات القديمة وقيام تحالفات جديدة؛ ولا يجوز أبداً عدم الانتباه إلى أنّ روسيا هي محرّك هذه التحولات عبر سياستها القائمة على العمل والتعاون مع الجميع قدر الإمكان، وعدم عزل أي طرف.


وكالة الأخبار السورية
بديع عفيف
تاريخ النشر : 2017-07-20 11:39:00